الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
نفحات القرآن
ومن الجدير بالذكر أنّ استعمال « ضلالٍ بعيد » جاء في عشر آيات في القرآن المجيد ، وكانت أغلبها خطاباً للكفّار والمشركين وجاحدي المعاد ، وهذا التعبير يبيَّن بوضوح بأنّ الضلال البعيد يختص بهذه المجموعة ، وذلك لأنّ الإيمان باللَّه ويوم الحساب إنّ وجِدْ يجعل وجود الضلال سطحياً ويزيد من احتمال العودة إلى طريق الحق ، بينما يقود جحد التوحيد والمعاد الإنسانَ ويجرُّه إلى آخر درجة من الضلال ويبعده عن صراط الهداية القويم إلى أدنى حد ، أو بتعبيرٍ آخر إنّ الأدلّة على معرفة اللَّه وإثبات المعاد على حدٍ من الوضوح يجعلها تشابه الأمور الحسيّة الملموسة ، والذي يصاب بالضلال في هذين الأمرين فضلاله عظيم . وفي الآية السابعة أشير إلى مسألة « حبط الأعمال » أي أعمال الجاحدين للمعاد في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ولِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ اعْمَالُهُمْ هَلْ يُجزَونَ إِلّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . « الحبط » : في الأصل بمعنى البطلان أو التمّرض « 1 » ، وفي تعبير الآيات والروايات جاء بمعنى محو ثواب الأعمال بسبب ارتكاب عدد من الذنوب . وجاء في « لسان العرب » إنّ « الحبط » هو أن ينجز الإنسان عملًا ما ثم يُبطله . ولعلماء علم الكلام نقاشٌ في مسألةِ هل يكون « الحبط » حاكماً دائماً في تأثير المعاصي والطاعات على بعضها الآخر أم لا ؟ وسوف نتعرض بالبحث مفصلًا في هذه المسألة في محلها إن شاء اللَّه ، ولكن لا يوجد على نحو القضية الجزئية شكٌ في صحة هذه المسألة ، فإنّ بعض الأمور مثل « الكفر » تكون سبباً في حبط ثواب جميع الأعمال الصالحة ، فلو مات أحدٌ على الكفر فإنّ جميع أعماله الصالحة سوف تتلاشى كنثر الرماد في ريحٍ عاصفٍ ، إنّ الآيات الآنفة الذكر تنسب هذا الاحباط لجاحدي الآيات الدالّة على إثبات اللَّه والمعاد ، وهذا دليلٌ واضح على أهميّة المعاد في رأي القرآن المجيد .
--> ( 1 ) مقاييس اللغة مادة ( حبط ) .